جامع ومزار جد الرسول السيد هاشم بغزة
وهو مدفون بمغارة بجانب قبر والده (عبد مناف) وقيل عليه أو تحت رجليه قال (ابن هشام) ومات (عبد مناف ) "بغزة " ونقله في المواهب "الشيخ عليش في مولد البرزنجى " و أما هاشم فاسمه عمر العلى لعلو رتبته في قومه ولم تزل مائدته منصوبة بالسراء و الضراء وكان سيد البطحاء يحمل ابن السبيل و يؤمن الخائف ويؤدى الحق ويحض قريش على إكرام الحجاج وفعل الخيرات حتى ساد قومه بذلك و أراد " أمية " أن يتشبه به فعجز ومن ذلك نشبت العداوة بين أميه وهاشم و استقرت له الرياسة وصارت قريش له تابعة تنقاد لأمره وتعمل برأيه وهو أول من سن الرحلتين لقريش للتجارة وكان في كل سنة يأتي لمدينة غزة ويقيم فيها مدة الصيف وفى آخر مرة من رحلته إليها توفى بها ودفن فيها بإجماع المؤرخين ولذلك نسبت المدينة إليه فقيل لها من ذلك الوقت " غزة هاشم " وكان مدفنه بموضعه المعروف وكان بقلعة بالقرب من سور المدينة من الجهة الشمالية الغربية ،وفى ذلك يقول "مطروط بن كعب الخزاعى "
وهاشم في ضريح وسط بقعة ****** تسقى الرياح عليه عند غزات
ثم صار الناس تدفن حوله حتى صار عنده تربه كبيرة وخفي أثرة بتوالي الأزمات و الحروب ولكن موضع المغارة معروف عند أهل الخبرة ، ولذلك نوه به " النابلسي " في رحلته و ذكر انه زاره سنة 1101 هــ ,ثم أظهر في أثناء القرن الثاني عشر و أحيط حوله بالبناء وجعل فوقه قبة وصار يقصد للزيارة , وذكره الدمياطي أيضا في رحلته ثم في أثناء القرن الثالث عشر جدد ضريحه وبني عليه مقصورة عظيمة بقبة شامخة ، وأزيلت تلك المقبرة وبني مكانها جامع ومدرسة ومأوى للغرباء بمنارة عالية وبيت كبير للصلاة بمحراب ومنبر وصحن متسع و إيوانان بعمد على دائرة نقلت إلية من موضع "آلمينا القديمة "بساحل البحر ونقل إليه بلاط وأنقاض المارستان وغيره من الجوامع الآتي ذكرها حتى صار من أعظم الجوامع وأتقنها و أنفس الآثار وأحسنها وكان ذلك بمساعي مفتى غزة الكبير المرحوم "الحاج أحمد محي عبد الحي الحسيني فإنه بذل الجهد وواصل السعي حتى كتب "للسلطان عبد المجيد خان " في شأنه يطلب المعونة في إتمام عمارته فأصدر إرادته بصرف مئة وخمسين ألف من الخزينة الأميرية في هذه الغاية كما ساعد الأغنياء و الوجهاء من الأهالي حتى تم على أحسن نظام و أبدع إتقان ، وعند انتهاء بناء المقصورة المباركة قال فضيلة المفتى المذكور مؤرخ لها ونقش على بابها:
بجد رسول الله يستسهل الأمر ****** ومن بابه يرجى به الفتح والنصر
ويمحى عند الزوار أوزارهم به ****** ويمحى به الراجي و يهنئ له الأجر
ولا غر إذ فخر البرية فرعه ****** فكل كمالاً أصله ذلك الفخر
ومن بيته ضاء الوجود بأسر ****** فلله بيت دونه الشمس و البدر
وقد أرجت أرجاء غزة هاشم ****** معالي ضريح فاح من نشرها النشر
ونادى لنا تجد سامي مكانة ****** ثنائي دوماً للمجدد والشكر
مليك الورى عبد المجيد ومن غدت ****** به الأرض طرا في أماني له بشر
ومذ قامت الأركان أرخت قائلا ****** معالي المقام الهاشمي ما لها حصر
وقال مؤرخ لتمام بناء الجامع في السنة 1267 هـــ ونقش على باب بيت الصلاة:
محاسن هذا الجامع السنا ****** تجلت به إذ حله نور هاشم
محل به الأنوار تبدو لمن بدا ****** بمجد الذي أبدى سناء العوالم
فأنشأ ذا التعمير وفاه مخبراً ****** بأن الذي أولاه مولى الأكارم
ولم لا ولم يسبقه في ذاك سابق ****** وكان هو السباق عند المغانم
إمام الهدى عبد المجيد ومن غدا ****** به الدين مرفوع الذرى الدعائم
لذا جاء تاريخ تبدى بجامع ال ****** معالي يباهى معلناً بالمكارم
ثم جعلت له كتيبة كبيرة ، وجمعت فيها مكتبة عظيمة أكثرها من الكتب المخطوطة النفيسة و صارت تقام فيها الصلوات الخمس والجمعة و أقام بحجراته بعض أهل العلم والطلبة والقراء و أوى إليه أبناء السبيل والغرباء وجعل له موسم في كل عام ثمانية أيام بلياليها ، وينتهي ليلة الثاني عشر من شهر ربيع أول تزدحم فيها الناس وتؤمه الرجال و النساء من غزة وضواحيها ، وفى سنة 1323 هـــ نقضت منارته لخلل و اعوجاج ظهر بها وجدد بنائها وعمر بجانبها من الجهة القبلية بيت آخر للصلاة محاذي للبيت الأول ، وصدر الأذن السلطاني بإقامة صلاة الجمعة به و بالخطبة فيه فهي تقام فيه من ذلك التاريخ ، وقد باشر الشيخ الطباع عثمان بالنيابة عن المرحوم" السيد أحمد عارف " حفيد المفتى المذكور ، وبدأ بعمل ديوان خطب سماه " التعليم الدينية في الخطب المنبرية "،وقد أنحسر في المفتى الموصى إليه و أبناء عمه بعد أبية وجده وأبنه وحفيده نحو مائة وخمسين سنة ، ثم بسبب الحرب العامة حدث فيه خراب كبير وضرر عظيم وفقدت منه تلك المكتبة القيمة بالسرقة و السلب والتمزيق حتى لم يبقى لها أثر و بالسعي وبالإلحاح المتكرر جرت عمارته تدريجياً حتى عاد كما كان ،وقدمت له بعض قواعد للعمد من الرخام ثم أقام المجلس الإسلامي فيه مدرسة لطلب العلم وعين لها أربعة من المدرسين ، ثم ألغاها و اكتفى بمدرسة العجزة لتعليم وتجويد القرآن العظيم بمعلم واحد من الحفاظ المجيدين ،ثم انتقلت به " بمدرسة الفلاح الوطنية بضع سنوات ثم انتقلت إلى مقرها الذي كان الجيش الانجليزي قد احتله في مدة حرب الألمان.
وقد ذكر محقق كتاب الطباع عثمان السيد عبد اللطيف أبوها شم مدير المكتبات بوزارة الأوقاف حسب قوله انه لا يوجد اليوم لمكتبة جامع السيد هاشم المذكورة أثراً من حيث وجود الكتب القديمة ، بل الموجود أغلبه حديث ومن الكتب التي نشرت حديثاً ولكن تلك المخطوطات النفيسة التي يذكرها الطباع لا يوجد منها شيء في مكتبة السيد هاشم اليوم ولعلها قد لعبت بها الأيادي أو نالت منها مكاتب باريس ولندن وبعض مكاتب أوروبا أو باعها بعض السماسرة .
المصدر : الطباع عثمان إتحاف الأعزة في تاريخ غزة ص 160المجلد الثاني
|